أطول يوم في حياة الزعيم .. "رواية حقيقية"

 

كتبت بديعة زيدان: 

"رواية حقيقية"، هكذا وصف الكاتب والإعلامي والسياسي نبيل عمرو أحدث إصداراته المُعنونة بـ "أطول يوم في حياة الزعيم"، الصادرة حديثاً عن دار الشروق للنشر والتوزيع، في أمسية أطلاقها في قاعة الجليل بمتحف محمود درويش، أول من أمس، حيث حاوره فيها مدير عام مؤسسة محمود درويش فتحي البس.
لفت عمرو إلى أن في الرواية الكثير من التفاصيل حول الزعيم ياسر عرفات وحقبة من حقب الثورة الفلسطينية في بيروت، ومنها "ما لاحظته من أذى نفسي لحق به في ذلك اليوم، عندما كان يقال له: ما أن تذهب إلى مكان حتى يرحل الناس منه، خوفاً من وجودك بينهم"، حيث الطائرات في السماء ترصده لقصفه، وعلى الأرض كاميرات تتعقبه وتعمد إلى تصويره، وسيّارات مفخخة على الطرق التي من المحتمل أن يمر بها، وذلك في آخر أيام الحرب الكبرى وتواصلت لثلاثة أشهر في مواجهة الجيش الإسرائيلي، حيث أعداد الضحايا في ارتفاع، وحجم الدمار في اتساع، وأصبح الحصول على بعض المواد الغذائية مهمة صعبة.
"في تلك الأيام سجلت وضع ياسر عرفات عندما كان الناس يهربون من حيث المكان الذي يتواجد فيه، ومن ثم مفاوضاته مع العالم، سواء مع فيليب حبيب، أو مع الأميركيين، أو الأوروبيّين، أو العرب، وكان يفاوض أحياناً، وهو في مكان مهجور من أجل التمويه، ويفاوض من أجل إخراج عشرات آلاف الفلسطينيين وغيرهم من المنضمين لصفوف الثورة الفلسطينية، الذين كانت تريد جهات عدّة قتلهم في بيروت، أو اصطيادهم، والطواف بهم أسرى مهانين أذلاء، بهدف كسر هذا النموذج المفعم بالكرامة للثائر والفدائي الفلسطيني، وهو ما كان يرفضه عرفات".
وأشار عمرو إلى أن في الرواية حديثاً ليس بقليل عن سعد صايل (أبو الوليد)، الذي كان "مُتنبّهاً إلى أنه في لحظة ما، إن لم نُحسن إدارة المعارك على الأرض، أو عبر السياسة والتحالفات والعلاقات، سيحدث ما تريده إسرائيل، حتى أنني سمعته يقول لعرفات بأنه بات علينا المغادرة الآن بشرف وكرامة، لأن قدراتنا الدفاعية وصلت إلى درجة الصفر، وهذا صحيح".
"كان هذا العمل الشاق والصعب يتمّ في ظروف غاية في الصعوبة على أكثر من صعيد، ليس من غرف مُكيّفة، لدرجة إذا كنّا نريد نقل رسالة ما، مثلاً إلى السوفييت، كان يتولى المهمة أربعة إلى خمسة أشخاص، وينقلونها من حارة إلى حارة، ومن منزل إلى آخر، حتى تصل إلى الجهة المُراد إيصالها إليها".
وأضاف عمرو: سجّلتُ هذه التفاصيل في "أطول يوم في حياة الزعيم"، باعتبار أنني كنت أرافق "أبو عمار" حَشْرَته هذه، بمحض الصدفة.. كنت مقيماً في مقر الإذاعة الذي يقع بموقع خطير في ظل المعارك، وكان أبو عمار ينظم بعض اجتماعاته مع ساسة من مختلف الفصائل والدول في الفرن المجاور لمقر الإذاعة الفلسطينية في بيروت.. في إحدى زياراته هذه إلى الفرن، وحيث كان يتجمع حوله الناس، أبلغه أحد مرافقيه أن هناك طيّارة تحوم فوقنا، فصعد في السيارة التي جاء فيها فلم تعمل، فألقيتُ للمرافق فتحي بمفتاح سيارتي، وكانت مصطفة في بناية مقابلة، إلا أن أحد مرافقي خالد أبو العلا قدِم بسيارته وأركبَ عرفات فيها وانطلق.. لا نعرف أين ذهب، ولا حتى فتحي يعرف.
وفتحي هو الحارس الشخصي لياسر عرفات ومرافقه الدائم وموضع ثقته، وهو كما وصفه عمرو "يده، ورجله، وعينه، وكل شيء".. لكن فتحي طمأننا بأن من اصطحبه في سيارته موضع ثقة.
وشدد عمرو: لو لم أكن أشرب فنجان قهوة الصباح على "بلكونة" مقر الإذاعة الفلسطينية، حينذاك، لما رصدت تفاصيل ذلك اليوم، ولكان أبو عمار جاء وأنهى مهمته وغادر، ولكني حين رافقته في السيارة التي أقلّته وعادت، بقيتُ معه حتى التاسعة من صباح اليوم التالي، دون افتراق إلا لنصف ساعة كلفني بها الزعيم اصطحاب طلال ناجي إلى مقر قيادتهم في "الفاكهاني" حيث القنابل العنقودية والألغام، على أن أعود إلى حيث هو منزل حكمت العيسى حيث كان برفقته محسن إبراهيم، ونجحت في المهمة الصعبة جداً، ومن هناك إلى مقر الإذاعة، حيث كان الوداع الأخير بينه وبين من أسماهم "الكتيبة المعنويّة الأولى في الحرب"، وفي تلك الساعة كان معظم الموجودين من شرق الأردنيّين، ومن بينهم طاهر العدوان المدير الفعلي وعمود الإذاعة الفلسطينية، وميشيل النمري، وأمجد ناصر، وغطاس صويص، وهم الفريق الذي عمل بلا كلل أو ملل لثمانية وثمانين يوماً هي فترة الحرب على بيروت، وهي الفترة التي رُفعت فيها وتيرة البث من ست ساعات إلى ثماني عشرة ساعة يومياً، وكان يرافقهم المرحوم فيصل حوراني، وكنت الأقل عطاء بينهم مع أنني مدير الإذاعة بحكم تعدد المهام الموكلة إلي من عرفات، وكان ينضم إلينا كل من يحمل القلم في بيروت سواء أكان لبنانياً أم سورياً أم مصرياً أم فلسطينياً أم أردنياً، وغيرهم، فكان الحاج خالد مسمار ويوسف القزاز وبن بيلا كمذيعين يرفعون بظهورهم عبر أثير الإذاعة الفلسطينية الروح المعنوية لجموع الفلسطينيين في بيروت، وقتذاك.. "أتذكر أننا تعرضنا ذات يوم إلى 225 ألف قذيفة في إحدى عشرة ساعة، وبقيت الإذاعة تبث كالمعتاد أو يزيد".
وختم عمرو: توثق الرواية لتفاصيل نادرة عن عرفات في تلك الأيام، فلم توثق أي وكالة أنباء أو مركز بحثي كيف كان أبو عمار، مثلاً، يضع بنطاله على ركبتيه ويقوم بخياطة الممزق منه، أو كيف حين شممنا رائحة الحطب في "برج البراجنة"، أوقفنا السيارة لنحصل على رغيف من "خبز الشراك" من السيّدة التي كانت تعده.. أكتب بهذه الروح، وبهذا التسجيل الدقيق للتفاصيل التي قد تبدو بسيطة لكنها تحمل معاني كبيرة".
وكان البس أشار إلى أن عمرو "يعدينا في الرواية، وعبر صفحات مكثفة، إلى تفاصيل الصمود الأسطوري لقوّات الثورة الفلسطينية في بيروت"، بحيث "يسلط الضوء على شخصية الشهيد ياسر عرفات وسلوكه وتعامله مع الأحداث بأعصاب فولاذية وإرادة لا تلين، إلى تفاصيل الخروج، بما يليق بالأبطال من مكانة وهيبة".
ولفت البس إلى أن في الرواية "تفاصيل عن عظمة هذا القائد، وسلوكه الإنساني مع الجميع، واهتمامه بأدق التفاصيل، وتفكيره في أصعب الأوقات بمستقبل منظمة التحرير، وكيفية الحفاظ على القرار الوطني المستقل".

نداء فلسطين