لماذا تجنبت حماس المواجهة ؟ هل هناك صفقة ؟

على محمد
كان غياب حركة حماس عن المشاركة في الصراع العنيف والقصير بين حركة الجهاد الإسلامي والاحتلال الإسرائيلي في نهاية الأسبوع، أحد أبرز معالم هذه الحرب.
وأصيب الفلسطينيون على وسائل التواصل الاجتماعي بالصدمة. وطرح العديد منهم تساؤلات "كيف يمكن للإخوة في النضال أن ينقسموا؟ هل هذا صدع؟ هل توقفت حماس عن كونها حركة مقاومة؟.
وذهب آخر، إلى أبعد من ذلك وتساءل: " أين اختفى يحيى السنوار وإسماعيل هنية؟ لماذا لم تذهب أسلحة المقاومة لمساعدة إخوانهم الجهاديين؟".
وأسفر العدوان عن مقتل ما لا يقل عن 44 فلسطينيا في غزة، وفقا للمعلومات الواردة من وزارة الصحة الفلسطينية. وكان خمسة عشر من القتلى من الأطفال. وتزعم إسرائيل أن معظم القتلى كانوا من المسلحين وأن العديد من المدنيين قتلوا بسبب إطلاق الصواريخ بالخطأ من قبل حركة الجهاد.
وقد أعربت حماس، عن دعمها لأعمال الجهاد الإسلامي. بيد أنها أبقت ترسانتها من الصواريخ الأكبر والأكثر قوة خارج المعادلة، في حين أوضحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من البداية أنها كانت تركز فقط على أهداف الجهاد الإسلامي. وقد حال ذلك دون تصاعد الصراع إلى مواجهة أكبر وأخطر، وأقرب إلى ما حدث خلال الحرب التي استمرت 11 يوما في مايو 2021.
لماذا لم تتورط حماس؟
وأرجع محللون عدم انضمام حماس إلى القتال لعدة أسباب، منها أن الصراع الأخير بين الحركة والاحتلال في 2021 الذي أدى إلى أضرار كبيرة وسقوط قتلى في غزة، لم يمر عليه سوى 15 شهرا فقط، وأن حماس لا زالت تعيد بناء ترسانتها، ولا يزال الفلسطينيون هناك يعيدون بناء منازلهم.
وأيضا سعي حماس إلى الحفاظ على إنجازاتها من قتال العام الماضي. وربما فضلت حماس التركيز على إعادة إعمار غزة، والحفاظ على تدفق الأموال من قطر. ربما استسلمت لضغوط مصر، التي تتمتع بنفوذ دائم على معبري رفح وصلاح الدين، أو أرادت أن تدع الجهاد الإسلامي ينزف لإثبات أن حماس وحدها هي القادرة على محاربة إسرائيل.
كما كان للحوافز الاقتصادية التي قدمتها الحكومة الإسرائيلية دور كبير، فقد زادت عدد التصاريح الممنوحة لسكان غزة للعبور إلى إسرائيل للعمل، وتتوقع حماس بعد الجولة الأخيرة أن تتلقى المكافأة.
وفرضت إسرائيل ومصر إغلاقا على غزة منذ عام 2007، مما حد من إمكانية الوصول إلى القطاع عن طريق البر والجو والبحر، بما في ذلك فرض قيود مشددة على حركة السكان وتدفق السلع.
وإذا أطلقت حماس الصواريخ، فإن إسرائيل ستغلق الحدود ولن يتمكن الآلاف من سكان غزة الذين يحملون تصاريح العمل في إسرائيل من الدخول أو الحصول على رواتبهم.
تفاهمات اقتصادية
وفي العام الماضي، في ظل حكومة بينيت-لابيد-غانتس، سمحت إسرائيل لآلاف الفلسطينيين بدخول الأراضي المحتلة للعمل لأول مرة منذ عام 2006. وحتى تلك اللحظة، لم يكن بمقدور سوى عدة مئات من رجال الأعمال دخول إسرائيل بتصريح خاص. سمحت التصاريح الجديدة في البداية ل 8000 عامل ، ثم 12000 ، وقبل شهرين ارتفع العدد إلى 14000.
وكان لهذا القرار أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة لقطاع غزة، حيث يمكن للعامل من غزة أن يكسب 6,000 شيكل (1,850 دولارا) شهريا وأكثر في إسرائيل مقارنة ب 800 إلى 1,000 شيكل فقط (240-300 دولار) في قطاع غزة. ويبلغ معدل البطالة في غزة أكثر من 50٪، وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وبلغ الدخل الشهري لاقتصاد غزة من رواتب العمال في يوليو/تموز، عندما كان يعمل نحو 14 ألف عامل في إسرائيل، 84 مليون شيكل (25.7 مليون دولار)، أي نحو مليار شيكل سنويا. خسر هؤلاء العمال أسبوعا من العمل، أي ربع راتبهم الشهري، وكان الضغط منهم أحد الأسباب التي دفعت حماس إلى الخروج من القتال.
ومنذ خريف عام 2021، سمحت إسرائيل بدخول البضائع إلى غزة التي كانت محظورة في السابق وسمحت بتصدير المزيد من المنتجات الزراعية أكثر مما كانت عليه في الماضي. وتظهر بيانات وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق أن الصادرات السنوية من غزة كانت في انحدار حاد منذ ذلك الحين. وافتتحت عشرات المصانع الجديدة وانخفضت البطالة، وكانت «حماس» بحاجة إلى عدم إعادة العجلة إلى الوراء.
مكافأة حماس
ولم تتأخر الحكومة الإسرائيلية كثيرا في رد الجميل لحماس وأعلنت الجهات الأمنية الإسرائيلية، الأحد، عن توسيع السياسة المتبعة حاليًا تجاه قطاع غزة، والتي بدأت منذ نحو 8 أشهر بتقديم تسهيلات مدنية أحادية الجانب لتسهيل حياة سكان القطاع.
ونقل موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، عن المسؤولين قولهم إن السياسة الجديدة التي تتبناها إسرائيل تشمل النية في زيادة عدد تراخيص العمال للعبور إلى إسرائيل ، وتوسيع تصدير المواد الغذائية وغيرها من المنتجات من القطاع إلى أسواق الضفة الغربية ، والسماح بدخول المزيد من المعدات الطبية والأدوية إلى غزة وتمكين الأسمدة يتم توريدها تحت إشراف الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية ، لضمان عدم استخدامها لأغراض عسكرية.
كما تشمل أيضًا زيادة في كميات المياه التي تنقل للمزارعين بغزة بنحو 5 ملايين متر مكعب، كما تم تنظيم تسجيل وضع حوالي 7 آلاف شخص من سكان غزة في السجل السكاني بطريقة تعترف بها إسرائيل (الحاصلين على لم الشمل)، ويتم دعم إنشاء 3 أحياء سكنية جديدة في قطاع غزة من قبل المصريين.
الضرورات تبيح المحظورات
وخلال الصراع الأخير بين حركة الجهاد والاحتلال الإسرائيلي، اتبعت حماس مبدأ الضرورات تبيح المحظورات. وفي ظاهر الأمر، فإن هذا النهج انتهازي، وينبع من تحليل صارم للمكاسب والخسائر. لكن هذا الموقف يبرر أيضا التعاون مع الجهاد الإسلامي عند الحاجة، أو محاربة المنافسين السياسيين والدينيين مثل الجماعات السلفية. كما أنه يمهد الطريق لصفقات غير مباشرة مع إسرائيل فيما يتعلق بتبادل الأسرى وهدنة طويلة الأجل.
وبالنسبة لحماس فإن مثل هذه الصفقات لا تهم طالما أنها لا تنطوي على الاعتراف بإسرائيل. بل إنها حالة مؤقتة، مهما طال أمدها، تؤدي إلى تحقيق الفكرة الإسلامية الوطنية.
وهذا المظهر السياسي لهذا النهج ليس واضحا فقط فيما يتعلق بعلاقة حماس بالجهاد الإسلامي وإسرائيل ولكن أيضا فيما يتعلق بعلاقاتها مع دول مثل تركيا وقطر من جهة ومصر من جهة أخرى. فقد حررت حماس نفسها من القيادة السعودية والإملاءات الإيرانية، التي تفرض على الجهاد الإسلامي وباتت تتصرف كما لو كانت دولة مستقلة وترى أنها ليست ملزمة حتى بالتعاون مع منافسيها السياسيين مثل فتح.
من جانبه يرى عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) موسى أبو مرزوق، أنّ قرار المشاركة في المواجهة الأخيرة مع الاحتلال في غزة يعود "للمقاومين في الميدان وأنّ قرار الحرب والسلم لا يخضع لحسابات الجمهور".
ورفض أبو مرزوق في مقابلة مع قناة "بي بي سي" تأكيد أو نفي مشاركة حركته في المواجهات التي وقعت مؤخراً في غزة بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي، مشدداً على أنّ قرار إطلاق الصواريخ يعود للمقاومين".
وأضاف رئيس مكتب العلاقات الدولية في "حماس" أنّ المواجهات الأخيرة في غزة جاءت مباغتة في ظل حديث عن تهدئة مع إسرائيل الأمر الذي مكًنها من استهداف القائد في الجهاد الإسلامي تيسير الجعبري.

 

نداء فلسطين